مقتل وسام الـــحسن أخطر حدث في لبنان منذ الاستقلال

مقتل وسام الـــحسن أخطر حدث في لبنان منذ الاستقلال

مخاوف اللبنانيين من تجدد الحرب الأهلية تتعاظم بعد اغتيال الحسن.
مخاوف اللبنانيين من تجدد الحرب الأهلية تتعاظم بعد اغتيال الحسن.

عندما كانت إسرائيل تقصف بيروت خلال حرب عام ،2006 كنت أجلس مع أحد زملائي نتناول مشروبات بعد يوم عصيب وطويل، وكنا نستمع الى أصوات الانفجارات التي تأتي كل بضع دقائق من الضاحية الجنوبية. وقال لي «هل يشبه هذا ما كان يحدث في أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي؟»، وفي حقيقة الامر فإن المقارنة ليست دقيقة، لكنني شاهدت ما كان يقصد الرجل، وكانت لبنان والمنطقة تعاني الأمرّين، ليس بسبب العنف الناجم من الحروب، وإنما من المشاعر المزعجة التي تشير الى أن المستقبل أيضاً يتضمن ما هو أسوأ من الآن.

وفي لبنان، يكون أحد أقوى العوامل لتوقع حدوث أيام سيئة مستقبلاً هو ذاكرة الزمن السيئ في الماضي، إذ إن 15 عاماً من الحرب الاهلية التي امتدت عبر سبعينات وثمانينات القرن الماضي تركت الكثير من الجروح لدى الكثيرين، لكن لبنان تمكن من النجاة بعد عدد من الأزمات الخطرة والمتعاقبة منذ اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام .2005 وبعد مرور عام على ذلك وقعت حرب مع إسرائيل، في عام ،2007 ووقعت معركة في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين، وكان هناك ما يشبه حرباً أهلية مصغرة عام ،2008 والقائمة مستمرة.

ويرى جميع الأشخاص اللبنانيين الذين تحدثت إليهم خلال الأيام القليلة الماضية أن اغتيال اللواء وسام حسن، وهو أكبر مسؤول أمني في البلد، مسألة خطرة،ويمكن ان تنطوي على نتائج لا تقل خطورة. والتقيت مع فيصل كرامي أحد السياسيين الصاعدين، في شقته الانيقة في طرابلس، ثاني كبرى المدن اللبنانية، وهو ابن رئيس حكومة سابق، والذي جرى الحديث عنه باعتباره زعيماً سياسياً مستقبلياً. ولم يحاول الرجل التخفيف من خطورة ما حدث، وقال بهدوء بينما كانت أصوات الرصاص تسمع بوضوح في الخارج «لقد قتل في منتصف بيروت، وهي أخطر اللحظات بالنسبة للبنان منذ الاستقلال في أربعينات القرن الماضي»، وعلى بعد بضعة أميال في أزقة جبل محسن، وباب التبانة، كان رجال من الطائفة السنية يتبادلون إطلاق الرصاص مع آخرين من العلويين اللبنانيين، وهي الطائفة التي ينتمي اليها الرئيس السوري بشار الاسد. وأضاف «الآن تحدث هنا حرب اهلية مصغرة، إذ يتم إطلاق النار في الشوارع».

وفي كل أزمة تحدث هنا، وعلى الرغم من خطورة التوقعات، فإن القادة اللبنانيين وبمساعدة من الخارج كانوا يجدون طريقة لتهدئة الوضع في بلد لم يكن مستقراً بصورة مناسبة من قبل، لكن الامر الذي يجعل الامر أكثر خطورة هذه المرة هي الحرب الاهلية في سور ية، التي تبعد عنا مسافة ليست بعيدة، إضافة إلى انعدام الاستقرار في العالم العربي. ويوجد في المنطقة العديد من الأشخاص الذين ليس لديهم أي فكرة عما سيحدث بعد شهر من الآن، ناهيك عن العام المقبل.

وتتمثل لعنة لبنان في أنه لا يسيطر على مصيره، وخلال تاريخه القصير دولة مستقلة صغيرة وضعيفة، فقد ظل لبنان تحت رحمة جيرانه من الدول الاقوى منه. ويعتمد القادة اللبنانيون على الحلفاء الاقوياء من الخارج، الامر الذي يجعلهم جزءاً من مشكلات هؤلاء الحلفاء وحروبهم أيضاً. وتستند هذه التحالفات على التعاطف الطائفي، ويورطون لبنان في احد الصراعات السياسية في المنطقة، بين حلفاء الدول الغربية وحلفاء إيران.

ويعتبر زعيم السنة في لبنان سعد الحريري حليفاً للغرب، أما الرئيس الاسد وشيعة إيران فإنهم يقومون بحماية «حزب الله»، وهي الحركة الشيعية من المقاتلين والسياسيين الاكثر قوة في لبنان.

ونظراً إلى أن الصراع في المنطقة أصبح طائفيا هذه الايام، فإن اللبنانيين أصحبوا خبراء الشرق الاوسط في هذا المجال، وهم يعرفون كيفية التعايش مع بعضهم بعضاً، على الرغم من التباين بينهم، وهم يدركون ايضاً ما الذي سيحدث عندما ينهار أحد المجتمعات، ولطالما تم تقسيم السلطة في بيروت حسب الخطوط الطائفية، وأحياناً كان النظام ينجح، لكن عندما ينهار يهرع الناس إلى أسلحتهم.

وبينما يتعرض الشرق الاوسط لتحولات تاريخية، تظهر الطائفية كواحدة من أقوى السمات في المشهد السياسي، وهي ليست ظاهرة جديدة، ويرجع تاريخ الصدع الذي يقسم ما بين السنة والشيعة إلى فجر الدولة الاسلامية، لكنه ازداد حدة جراء الاحداث التي وقعت خلال العقد الماضي، والتي بدأت بغزو الولايات المتحدة للعراق عام .2003

وفي المجتمعات التي يسود فيها انعدام الاستقرار السياسي، وعدم حصول شريحة الشبان على كفايتهم مادياً، تكون الطائفية هي شكل الاحتكاك الذي يجب عليهم تجنبه، ويكون استخدام الطائفية واستغلالها أسلوباً جيداً للمناورة واحتكار السلطة، بهدف نشر الفوضى على أمل الحصول على اليد العليا في البلد.

ولعبت الوطنية دوراً مشابهاً في اوروبا في القرن العشرين، في حين أن الطائفية كانت حاسمة في الشرق الاوسط، وربما تكون بالخطر الذي كانت عليه الوطنية.